لفت انتباهي قبل أيام مقطع متداول يعترف فيه إعلامي معروف بشجاعة نادرة، بأنه كان يكذب دعما لما يراه نضالا مشروعا وأنه خدع جمهوره بمعلومات مضللة "خدمة للصالح العام" ومع ذلك، تبدو فكرة أن يكذب الصحفي للوهلة الأولى، أقرب إلى التناقض منها إلى المهنية. فالصدق يشكّل في كل المواثيق الأخلاقية للمهنة الصحفية، قيمة جوهرية لا تقبل المساومة. ورغم ذلك، يلجأ الصحفيون في مواقف بعينها إلى صور متعددة من الخداع، من التخفّي وانتحال هوية مغايرة، إلى استخدام الكاميرات الخفية، مرورا بحجب المعلومات عن مصادرهم أو حتى الكذب الصريح عليهم، سعيا لكشف "حقيقة" يرون أن المصلحة العامة تقتضي مشاركتها بهذا الشكل مع الجمهور. هذا التجاذب بين قيمة الصدق كمبدأ مطلق وبين ممارسات "الخداع" كوسيلة لخدمة "الصدق" ذاته هو ما نتناوله في هذا المقال.
في الغرب تعتبر قضايا مثل "الكذب من أجل قول الحقيقة، والوسيلة والغاية في الصحافة، والكذب من أجل المصلحة العامة والصحفيون وأخلاقيات الخداع" من القضايا الشائكة التي سال حولها الكثير من الحبر، في محاولة لفهم الدوافع وبناء إطار يحدد المسموح فيها وغير المسموح.
هي قضية تكتسب أهمية متجددة كلما تأملنا واقع المهنة الصحفية في أي بيئة إعلامية، عربية كانت أم غربية، ذلك أن معضلة الخداع ليست شأنا نظريا، بل هي تحد يومي يواجه الصحفي حين يقرر هل يكشف عن هويته أمام مصدر يشتبه في تورطه بفساد، أم يتخفّى؟ وهل يستخدم تسجيلا سريا لفضح واقعة استغلال، أم يمتنع احتراما لمبدأ الشفافية؟ وهل يبرر السبق الصحفي انتحال صفة معينة للوصول إلى معلومة حساسة وهل يعتبر الكذب مباحا عندما يكون في خدمة الصالح العام؟
بناء على ذلك، ينطلق الباحثون في هذا الصدد من نقطة أساسية مفادها أن قول الصدق قيمة إنسانية كونية، لا تقتصر على حقل أو مجال بعينه، لكنها تتجلى في الصحافة بوصفها ركيزة مهنية لا غنى عنها، فالجمهور لا يثق بوسيلة إعلامية إلا حين يعتقد أنها تنقل إليه الوقائع كما هي، غير أن الممارسة الفعلية للمهنة تكشف عن مفارقة صارخة، فبعض أنجح التحقيقات الصحفية وأكثرها تأثيرا في الرأي العام إنما تحقّقت عبر أساليب انطوت على قدر كبير من الكذب والخداع، سواء تجاه الجمهور نفسه أو تجاه من صُنعت التحقيقات لكشف ممارساتهم.
وهنا يمكن أن نطرح تساؤلات جوهرية: كيف يوفّق الصحفيون بين التزامهم المعياري بالصدق وبين لجوئهم الفعلي إلى الكذب والخداع؟ وما هي المعايير التي يستندون إليها في تقييم مدى قبول هذا الخداع أو رفض هذا الكذب؟ وهل يُنظر إلى كل أشكال الخداع بالدرجة نفسها من الاستنكار، أم أن هناك تراتبية أخلاقية تصنّف الممارسات من الأكثر قبولا إلى الأشد استنكارا؟ وما العوامل الشخصية والمؤسسية التي تُسهم في تشكيل هذا الحكم الأخلاقي؟
هناك تعريفات للخداع الصحفي وربما يكون أكثرها دقة الذي وضعه كل من ديني إليوت وتشارلز كلفر وهما من أبرز المنظرين والأكاديميين الأمريكيين الذين قدموا إسهامات مهمة في مجال أخلاقيات الإعلام والمسؤولية الاجتماعية للصحافة، وهو تعريف موسّع لا يقتصر على أساليب جمع الأخبار وحدها، بل يمتد ليشمل التمييز بين الخداع بالفعل والخداع بالامتناع عن الفعل. فالخداع، وفق هذا التصور، لا يقع فقط حين يكذب الصحفي أو يزوّر واقعة، بل قد يقع أيضا حين يمتنع عن الإفصاح عن معلومة جوهرية كان ينبغي عليه كشفها.
وفي شق المسؤولية الاجتماعية للصحافة، يفترض أن حرية الصحافة ليست حقا مطلقا بلا قيود، بل هي حرية مقترنة بمسؤولية تجاه المجتمع. ووفق هذا الإطار، فإن مواثيق الشرف المهنية تشكّل الأساس الذي يحتكم إليه الصحفيون حين يواجهون معضلة أخلاقية، بما فيها معضلة الخداع أو فن إدارة الكذب. فالمواثيق الأخلاقية للمؤسسات الصحفية، وإن اختلفت من مؤسسة إلى أخرى، تتقاطع عموما في التحذير من الخداع بوصفه لا يُلجأ إليه إلا حين تتعذّر الوسائل الأخرى وحين تكون المصلحة العامة المرجوة منه جسيمة بما يكفي لتبريره.
يرى الباحثون أن الصحفيين لا ينظرون إلى "الخداع" بوصفه فعلا واحدا متجانسا يُقبل أو يُرفض بالجملة، بل بوصفه مسألة تتدرج فيها الممارسات من الأكثر قبولا إلى الأشد رفضا. ففي أحد الأطراف تحظى ممارسات مثل عدم الكشف عن الهوية الصحفية أثناء جمع المعلومات، واستخدام الكاميرات الخفية في سياقات محدودة، بقبول واسع نسبيا بين الصحفيين، باعتبارها أدوات ضرورية لكشف ممارسات يتعذّر الوصول إليها بالطرق التقليدية. أما في طرف آخر، فتحظى أمور مثل التلفيق الصريح واختلاق الوقائع وانتحال الهوية الكامل، برفض شبه جماعي، لكونها تمس جوهر المصداقية الصحفية بشكل مباشر لا يمكن تبريره.
في المقابل يرى آخرون أن الخداع ممكن كأداة للعمل الصحفي لكن بشروط ويجب أن تتوفر مجتمعة أيضا وهي أن تكون المعلومة بالغة الأهمية للمصلحة العامة وأن تُستنفد جميع الوسائل التقليدية وأن يفصح الصحفي لاحقا عن أسلوبه ودوافعه وأن تبذل جهود مهنية جادة ومتكاملة في إعداد التقرير وأخيرا، أن يكون الضرر الذي تم كشفه أكبر من الضرر الناتج عن الخداع نفسه.
الصحفيون لا يتبنون معيارا أخلاقيا موحّدا على جميع الأطراف المعنيّة بعملية الخداع، بل يميّزون بوضوح بين الخداع الموجّه إلى الجمهور والخداع الموجّه إلى مصادر الخبر. فالخداع الذي يطال الجمهور، أي حين يُعرض على المشاهد أو القارئ محتوى غير دقيق أو مختلق، فيُنظر إليه بتنديد واستنكار أكبر، لأنه يمسّ العلاقة الأساسية بين وسيلة الإعلام وجمهورها، وهي علاقة أساسها الثقة. أما الخداع الموجّه إلى مصادر الخبر، كأن يخفي الصحفي هويته الحقيقية أمام شخص يجري معه حوارا أو يراقب سلوكه، فيحظى بقدر أكبر من التسامح، إذ يرى كثير من الصحفيين أن هذه المصادر، في سياقات محددة، "أقل استحقاقًا" لأن تُقال لها الحقيقة كاملة، خصوصا حين تكون هذه المصادر هي ذاتها موضوع تحقيق يكشف ممارسات مسيئة أو غير قانونية.
فمثلا عندما ينسب الصحفي تصريحا مفبركا لم يصدر عن شخصية عامة، وفي الموقف الثاني، يعرف الصحفي أن معلومة معينة تُبرئ ساحة هذه الشخصية، لكنه يختار عمدا حجبها أو عدم ذكرها نهائيا في التقرير لأنها لا تخدم زاوية القصة التي يريد تقديمها. النتيجة العملية للموقفين متقاربة وهي خلق انطباع مضلل لدى الجمهور عن الشخصية المعنية. ومع ذلك، يرى الخبراء أن غالبية الصحفيين سيصنفون الموقف الأول (التصريح المفبرك) بوصفه انتهاكا أخلاقيا فادحا يستحق المساءلة، بينما قد يتساهلون مع الموقف الثاني (حجب المعلومة) بوصفه ضمن هوامش الاختيار التحريري المقبولة، رغم أن كليهما يفضي إلى ضرر مماثل يلحق بالشخصية المعنية وبثقة الجمهور معا.
إن العلاقة بين الصحفي والجمهور علاقة تعاقدية ضمنيا، أساسها الثقة المتبادلة والاستمرارية، بينما العلاقة بين الصحفي ومصدر بعينه غالبا ما تكون علاقة عابرة ومحكومة بمصالح متعارضة، خصوصا حين يكون المصدر طرفا له مصلحة في إخفاء الحقيقة أو تحوير الوقائع لصالحه. ومن ثم فإن خرق الثقة مع الجمهور يهدد الأساس الذي تقوم عليه شرعية المهنة كلها، بينما خرق الثقة مع مصدر بعينه، وإن كان له كلفته الأخلاقية، لا يمسّ العلاقة العامة بين المؤسسة الإعلامية وجمهورها بالقدر نفسه.
وفي الأخير، لا يكفي أن يتعلم طالب الصحافة المبادئ الأخلاقية النظرية بمعزل عن واقع العمل، بل ينبغي أن يُدرَّب أيضا على كيفية الصمود أمام الضغوط المؤسسية والظروف المحيطة به والتي قد تدفعه لاحقا إلى تبرير ممارسات لا يقتنع بها في قرارة نفسه، خاصة في عالم يشهد اليوم تصاعدا غير مسبوق في أشكال التضليل الإعلامي يغذيه تطور مذهل في الذكاء الاصطناعي، وتراجع ملموس في ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية التقليدية، فكلما استطاع الصحفيون والباحثون والمؤسسات الإعلامية امتلاك إطار واضح ومتماسك للتفكير في حدود الخداع المشروع وغير المشروع، أمكنهم أن يحافظوا على الحد الأدنى من الثقة التي لا تقوم الصحافة من دونها، على أن يبقى السعي إلى الحقيقة محكوما دائما بضمير مهني يقظ ومسؤول، مهما كان الطريق طويلا ومتعرجا.
المصطفى ولد البو – كاتب صحفي








